لهجاتنا… مرآة الذاكرة والتاريخ

رانيا ميقاتي
مدربة لغات وتواصل
بينما كنا نتناول الفطور، ابني إبراهيم وأنا، في إحدى القرى اللبنانية الوادعة، حيث يختلط نسيم الصباح برائحة الخبز الطازج وصوت العصافير، بادرني بسؤال ظاهره بسيط، لكنه حمل في أعماقه دهشة الطفل وفضوله“ :لماذا تختلف لهجتهم عن لهجتنا؟”
لم أملك آنذاك إجابة جاهزة. ابتسمت، وربما تهرّبت بجواب عابر. لكن السؤال لم يغادرني. ظلّ يتردّد في خاطري كما تتردّد أصداء الأصوات بين الجبال. دفعني إلى رحلة تأمل في اللغة واللهجات، لا كأصوات تُنطق، بل ككائنات حيّة تنمو وتتغير وتبوح بالكثير عمّن ينطق بها.
كانت البداية من الجغرافيا. ففي قرية جبلية معزولة، حيث تختبئ البيوت بين التلال وتفصل الطرق الوعرة بين الناس، تنشأ لهجات فريدة، أشبه بكنوز لغوية حفظها الزمن من التبدّل السريع. هناك، حيث يقلّ الاحتكاك، تترسخ تعابير قديمة وتُبتكر أخرى، فتصبح اللهجة وِشاحًا خاصًا بتلك الأرض وأهلها.
ثم بدا لي أن الأمر لا يتوقّف عند التضاريس. ففي المدن الكبيرة، يمكن أن تسمع لهجتين متباينتين في الحيّ ذاته. إذ تبدأ الفروقات بالنطق، وتمتد إلى المفردات، وحتى إلى إيقاع الجملة. فالطبقات الاجتماعية، بطبيعتها، تسعى أحيانًا إلى التميّز، فتُعدّل لهجتها لتبدو “أكثر رقيًا” أو “أقرب إلى الرسمية”. ومع الوقت، تُصبح هذه الفروقات جزءًا من هوية المتحدث، تمامًا كملابسه أو سلوكياته.
ولمّا غصت أكثر في الفكرة، اكتشفت أنها لا تنطبق على العربية وحدها. فالعالم كلّه يحتفي بهذا التنوع. في الإنكليزية مثلًا، البريطاني لا يقول ما يقوله الأميركي، ليس فقط في المفردات، بل حتى في النطق والمزاج.
Flat عند البريطانيين تعني “شقة”، بينما يقول الأميركيون Apartment . وBoot تعني في بريطانيا “صندوق السيارة”، بينما تعني في أميركا “الحذاء الطويل”.
حتى النطق يختلف؛ فكلمة Schedule تُلفظ /ˈʃedjuːl/ في بريطانيا، و/ˈskedʒuːl/ في أميركا.
هذه ليست مجرد اختلافات لغوية، بل انعكاسات ثقافية، وامتدادات لتاريخ وتربية وتطلعات مختلفة.
حينها فهمت: اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل ذاكرة جماعية، ومرايا للهوية. اللهجات ليست حيادًا لغويًا، بل تحكي قصص العزلة، والاختلاط، والطبقات، وحتى الطموحات. إنها دليلنا إلى فهم من نكون، ومن أين أتينا، وما الذي نخشاه أو نطمح إليه.
لقد كان سؤال إبراهيم نافذتي إلى هذا الإدراك العميق. سؤالٌ عابر على مائدة الفطور، تحوّل إلى درس في التاريخ، والإنسان، والانتماء.
وأنت… هل سبق أن سألك طفل سؤالًا صغيرًا، فتغيّرت به رؤيتك للعالم ؟

رانيا ميقاتي مدربة لغات وتواصل في عالم الأعمال الحديث، حيث تتسارع الأحداث وتختلط الثقافات وتتباعد المسافات، لم يعد التواصل وجهًا…